الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
25
شرح ديوان ابن الفارض
أثر الرجل ) أي : الشيخ عمر بن الفارض ( فتبعت أثر الرائحة إلى أن دخلت عليه في ذلك الوقت وهو محتضر ، فقلت له : السلام عليك ورحمة اللّه وبركاته ، فقال : وعليك السلام يا إبراهيم إجلس وأبشر فأنت من أولياء اللّه تعالى . فقلت له يا سيدي هذه البشرى جاءتني من اللّه على لسانك وأريد أن أسمع منك دليلا ليطمئن قلبي فإن اسمي إبراهيم ولي من سرّ مقام هذا الاسم الإبراهيمي نصيب حين ) قال : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى [ البقرة : الآية 260 ] بحياتك القديمة الأزلية . ( قال : ) اللّه تعالى ( أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ [ البقرة : الآية 260 ] ) إبراهيم ( بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ [ البقرة : الآية 260 ] ) الشيخ عمر ( نعم يا إبراهيم سألت اللّه أن يحضر وفاتي وانتقالي إليه جماعة من أولياء اللّه وقد أتى بك أوّلهم فأنت منهم ، وكنت سألت ) أي : كان الشيخ إبراهيم الجعبري سأل ( جماعة من الأولياء عن مسألة فلم يجبني أحد عنها فسألته عنها فقلت له ) أي : للشيخ عمر ( يا سيدي هل أحاط أحد باللّه علما فنظر إليّ نظر معظّم لي وقال : نعم إذا حيطهم يحيطون يا إبراهيم وأنت منهم ثم رأيت الجنة قد تمثّلت له فلما رآها قال : آه وصرخ صرخة عظيمة وبكى بكاء شديدا وتغيّر لونه وقال : إن كانت منزلتي في الحب عندكم * ما قد رأيت فقد ضيّعت أيامي أمنية ظفرت روحي بها زمنا * واليوم أحسبها أضغاث أحلام فقلت له : يا سيدي هذا مقام كريم ، فقال : يا إبراهيم رابعة العدوية تقول وهي امرأة وعزّتك ما عبدتك خوفا من نارك ولا رغبة في جنتك بل كرامة لوجهك الكريم ومحبة فيك وليس هذا المقام الذي كنت أطلبه وقضيت عمري في السلوك إليه ثم بعد ذلك سكن قلقه وتبسّم وسلّم عليّ وودّعني وقال : احضر وفاتي وتجهيزي مع الجماعة وصلّ عليّ معهم واجلس عند قبري ثلاثة أيام بلياليهنّ ثم بعد ذلك توجّه إلى بلادك ثم اشتغل عني بمخاطبة ومناجاة فسمعت قائلا يقول بين السماء والأرض أسمع صوته ولا أرى شخصه يا عمر فما تروم فقال : أروم وقد طال المدى منك نظرة * وكن من دماء دون مرماي طلت ثم بعد ذلك تهلّل وجهه وتبسّم وقضى نحبه فرحا مسرورا فعلمت أنه قد أعطي مرامه وكنّا عنده جماعة كثيرة فيهم من أعرفه من الأولياء وفيهم من لا أعرفه ومنهم الرجل الذي كان سبب المعرفة وحضرت غسله وجنازته ولم أر في عمري جنازة أعظم منها وازدحم الناس على حمل نعشه ورأيت طيورا بيضا وخضرا ترفرف عليه وصلّينا